تخلق التلال الخضراء الخصبة القائمة على الحافة الشمالية للبنان مناظر طبيعية غاية في الجمال، وتحيط ببلدة لـ 2500 نسمة تسمى منجز، ولكن بالنظر بالعين المجردة، تخفي المساحات الخضراء آثار تغير المناخ، والتي أصابت المنطقة بالجفاف.

ووفقاً لدراسة حديثة أجرتها وكالة ناسا، فإن الجفاف المستمر في بلاد الشرق والتي تضم قبرص وإسرائيل والأردن ولبنان وفلسطين وسوريا وتركيا ربما يكون الاسوأ الذي يضرب المنطقة خلال الـ 900 عام الماضية. ومن المتوقع أن يكون لبنان واحداً من أكثر دول العالم تضرراً بشح المياه بحلول العام 2040، وفقاً لمعهد الموارد العالمية، ومن المتوقع أن تنخفض الأمطار بنسبة 10 -20 % بحلول ذلك العام.


وعلاوة على ذلك، فإن تدفق اللاجئين السوريين إلى البلد الصغير قد شتت موارد المياه في بعض المناطق. فقبل عام، استضاف لبنان بالفعل أكثر من مليون لاجئ سوري، أي ما يقارب 20% من مجموع سكان البلاد.

وقال أنطونيو غوتيرس، الرئيس السابق للمفوضية العليا لشؤون اللاجئين والأمين العام الحالي للأمم المتحدة، في تقرير لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2014: "إن تدفق مليون لاجئ سيكون هائلاً في أي بلد". وأضاف "بالنسبة إلى لبنان، هذه الدولة الصغيرة التي تعاني من صعوبات داخلية، فإن التأثير سيكون مربك".

وقلل سكان منجز بالفعل وقت تواجدهم في مسقط رأسهم المعتمد على الزراعة جنوب الحدود السورية مباشرة، وانتقل العديد منهم إلى مدن أكبر مثل طرابلس، أو إلى الجنوب إلى بيروت، لمعظم العام على أمل أن يعيشوا حياة أفضل مما يمكن أن توفره لهم الزراعة. حيث لم يمنحهم شح المياه مؤخراً أي خيار.

ولكن على مدى العامين الماضيين، أعاد القرويون اكتشاف الأمل في أراضيهم التي أصابها الجفاف. ففي عام 2015، أصبحت القرية موضوع مشروع تجريبي يركز على جلب حياة جديدة إلى منجز عن طريق هدفين يركزان على المياه: تنفيذ بنية تحتية مبتكرة للمياه في المجتمع، وتعليم مواطنيها ممارسات مسؤولة وفعالة في استخدام المياه.

"Water-Wise"

في عام 2014، دخلت مؤسسة التنمية المجتمعية اللبنانية "G Foundation" منجز بهدف حدده برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. وتمثلت رؤية برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لبرنامج "New World" الذي أطلقه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي و"Global Water Challenge " ومؤسسة كوكا كولا في إنشاء مجتمعات مستدامة في المناطق التي تعاني من شح الموارد أو المعرفة لتفعل ذلك بنفسها. وهذا يعني الوصول إلى تأمين المياه والمرافق الصحية وتمكين الشباب والمرأة في البلدان النامية.

وبالنسبة للقرية اللبنانية منجز على وجه الخصوص، أتاح برنامج الأمم المتحدة الإنمائي G Foundation فرصة لتطوير عمل المهندسين والعاملين في المجال الاجتماعي المشاركين في مشروع "Water-Wise". وكانت منجز، وهي مجتمع كان يعتمد في السابق على تقنيات زراعية مسرفة وغير فعالة، موقعاً مثالياً لاختبار أساليب جديدة لحفظ الزراعة والمياه على نطاق صغير.

وقال عمدة منجز جورج يوسف: "إننا نعلم مدى تعرض المنطقة لتأثيرات تغير المناخ، وعدم استخدام المياه بالشكل الفعال".

تقليدياً، يغرق المزارعون في المنطقة حقولهم عند سقيها، ومعظمهم لا يملك البنية التحتية لعملية ري أكثر تطوراً. ولكن عندما تشح المياه، فإن إغراق الحقول لا يكون فقط غير مجدي، بل إنه يضع الصحة وحتى الحياة في خطر مع حلول موسم الجفاف.

ومن هنا بدأ المطورون بالري. وبدأت "G Foundation"، والبلدية المحلية، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، في تنفيذ نظام الري بالتنقيط في منجز، والذي مولته أساساً مؤسسة كوكا كولا. وكانت القرية في حاجة ملحة لهذا النظام حيث لا تتحمل شح المياه. وبعد إنشاء شبكة ري تبلغ مساحتها 60 ألف متر مربع توزع المياه باستخدام المياه ذات الضغط المنخفض والماء المنخفض، توفر منجز الآن ما يقرب من 400 مليون لتر في السنة (حوالي 390 مليون لتر من هذه اللترات يتم حفظها بواسطة نظام الري بالتنقيط)، أي حوالي 90 % من إجمالي الحجم الذي استخدموه من قبل.

كما يسمح النظام الجديد للمزارعين بري حقولهم بكفاءة أكبر، ففي غضون ساعتين، يمكنه ري مساحة من الأراضي كان يستغرق ريها يومين. ووفقا لتقديرات رئيس برنامج الأمم المتحدة الإنمائي و G Foundation نادر نقيب، يمكن للمزارعين في منجز الآن ري 9 أضعاف مساحة الأراضي التي كانوا يرووها قبل تنفيذ نظام الري، بنفس كمية المياه.

وقال أحد المزارعين: "أملك قطعة أرض كبيرة، لذلك تستغرق مني وقتاً طويلاً لريها والتحقق من أن كل شيء على ما يرام، أما هذه الشبكة فجعلت الأمر أكثر سهولة، وتمكنت من توفير الوقت والمجهود فضلاً عن المساعدة التي أحتاج إليها".

وسيعتمد النجاح الحقيقي للمشروع على مدى قدرة المجتمع المحلي على إبقاء المشروع قيد العمل. وقد دربت G Foundation المزارعين في المنطقة لتحقيق أقصى قدر من إنتاجية الأرض باستخدام الحد الأدنى من المياه، كما أن البلدية لديها حالياً القدرة على الحفاظ على نظام الري.

وقال يوسف: "لدينا بعض المعوقات التي يجب حلها، ففي المقام الأول، فيما يتعلق بالاستدامة، نحن بحاجة إلى حل مشكلة الحرائق التي تدمر بعض شبكات المياه، وهو ما نحاول حالياً القيام به ... ولكن نحن بحاجة إلى مزيد من المعلومات لتعريف المزارعين على طرق الري الحديث بدلاً من الطرق الكلاسيكية. كما أننا بحاجة إلى التركيز على تشجيع التجارة العادلة وتحسين الطلب وذلك لتشجيع المزارعين. ومع ذلك، فنحن نعلم أن هذا المشروع يقدم الطريقة الأمثل لري أراضينا، لذلك نحن بحاجة إلى العمل على حل هذه المشاكل".

كما ثبتت G Foundation أكثر من 1400 مهواة على صنابير المياه في 350 منزل للحد من تدفق المياه. وأصبحت المنازل موقعاً حيوياً لتعلم الحفاظ على المياه، الذي أصبح ذو أهمية متزايدة في مناطق العالم التي ضربها انخفاض منسوب المياه. ووصلت G Foundation إلى منازل منجز، وكذلك في المدرسة المحلية إلى النساء والأطفال مع رسالتها لتحسين الزراعة المستدامة والاعتدال، وكفاءة استخدام المياه. كما قامت بتركيب نظام لجمع مياه الأمطار في المدرسة المحلية.

وقال مرات أوزجيل، المدير العام لشركة كوكا كولا الشرق الأوسط: "تعتبر إدارة المياه أولوية استدامة رئيسية بالنسبة لشركة كوكاكولا، ومن خلال إشراك المجتمع المحلي، تمكنا من إقامة شراكة فعالة لتمكين استخدام حلول عملية ومستدامة وفعالة من حيث التكلفة لتوفير المياه".

عالم جديد، آفاق جديدة

واصل برنامج "New World" تطوره، بعد استثمار المستمر في 22 مشروعاً في 19 بلداً منذ إطلاقه عام 2014، وفي 20 مارس، أعلنت مؤسسة كوكا كولا و"Global Water Challenge" استثمار مشترك بقيمة مليوني دولار في برنامج "New World".

وستتلقى منظمات في 18 بلداً في أوروبا وآسيا الوسطى وجنوب آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا تمويلاً، ويهدف البرنامج إلى الاقتراب من أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة لعام 2030 عن طريق زيادة توفير المياه النظيفة والمرافق الصحية والمساواة بين الجنسين والنمو الاقتصادي والإجراءات المناخية.

وقالت مونيكا إليس، المدير التنفيذي لـ "Global Water Challenge": "تعتبر هذه الشراكات ذات التأثير العالي عاملاً حيوياً خلال سباقنا لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، كما أنها عناصر أساسية لعمل كل من مؤسسة كوكاكولا و"Global Water Challenge".

بدأ برنامج "New World" كتوسع في مشروع "Every Drop Matters"، وهي شراكة تعاونية مماثلة بين برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وكوكا كولا واستمرت من 2007-2013، ويعد برنامج "New World" أساساً استمرارا لهذا البرنامج، والذي سيتواصل بتنفيذ الشركاء المحليين لسلسلة من نظم تجميع مياه الأمطار ومواقع الري، وتدريب المزارعين على التقنيات الحديثة، وعقد دورات القيادة للشباب.

ومع ذلك، فإن أحد أكبر التحديات يتمثل في إعادة تنشيط المجتمعات المحلية بطرق تسمح لأعضائها بإجراء هذه التغييرات الدائمة. وقد تحقق المدن والقرى المضطربة نجاحاً جيداً من خلال اتباع المثال الذي وضعه المزارعون والعاملون في المجال الاجتماعي في منجز.

وقالت ايدان أولسر مدير اتصالات الاستدامة لشركة كوكاكولا والتي تقيم في تركيا وزارت منجز العام الماضي: "نظرا لكونه برنامج على مستوى القاعدة يقوم على احتياجات المجتمع المحلى، فإنهم سيواصلون رعاية هذه المشروعات والحفاظ عليها، وهذا ما يعني أن تكون مستدامة".