بقلم: جولي بيسونن | 30 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2012

بالكاد كانت بطلة أولبمبياد ذوي الاحتياجات الخاصّة سوزي دوينز تتكلّم قبل أن تبلغ التاسعة من العمر، وكانت شديدة الخجل. لكنّ الرياضيّة سوزي التي ولدت مع متلازمة داون تبلغ اليوم من العمر 35 سنة لم تصبح مبعوثة لدى منظّمة متلازمة داون فحسب بل حقّقت انتصارات كبيرة تركت الجميع مذهولًا!

الفخر الذي تجلبه الميداليّات

يصعب حتّى على مايكل فالبس منافسة سوزي دوينز حين يتعلّق الأمر بالفوز بالميداليّات. ففي آخر إحصاء، كانت سوزي قد فازت بـ220 ميداليّة. تعشق سوزي لعبة الغولف لكنّها نافست في أكثر من 10 رياضات مختلفة بما في ذلك السباحة وسباقات المضمار والميدان وكرة السلّة.

تملؤ الميداليّات غرفتها في روتوندا وست في فلوريدا. وتقول أمّها ليندا دوينز: "اضطررنا لشراء تعليقةً جديدةً لأنّ وزن الميداليّات اقتلع التعليقة القديمة من الجدار".

ما زالت سوزي تواجه صعوبةً في التعبير عن نفسها غير أنّ ذلك لم يمنعها من توجيه 300 خطابًا كمبعوثة عالميّة لأولمبياد ذوي الاحتياجات الخاصّة منذ أن تولّت هذا الدور عام 2001. وعلى مرّ السنين، توجّهت هذه المرأة القليلة الكلام إلى الآلاف في كافة أنحاء الولايات المتّحدة، مشاركةً أثر المنظّمة الكبير على حياتها وكيف أعطتها الأخيرة الثقة بالنفس لكي تنظر في أعين الغرباء بدلًا من "وضع رأسها أرضًا" والتحديق بحذائها.

بدأت دورة الألعاب الأولمبيّة لذوي الاحتياجات الخاصة بشكل غير رسميّ عام 1962 في الفناء الخلفي لمنزل يونس كينيدي وسارجنت شريفر (الذي أسّس فرق السلام) في ماريلند. وكان الزوجان يستضيفان الألعاب الرياضيّة لذوي الاحتياجات الذهنيّة الخاصّة كوسيلة لهم للترفيه عن أنفسهم. وتتعاطف يونس، ابنة عائلة كينيدي المرموقة، مع ذوي الاحتياجات الخاصّة لأنّ شقيقتها العزيزة على قلبها كانت تعاني من اضطراب في النموّ وتمّ وضعها في مستشفى خاصّ للمعالجة.

بعد تكثيف الجهود لتشكيل مجموعات الضغط والحصول على التمويل، انطلقت أوّل دورة رسميّة عالميّة للألعاب الأولمبيّة الصيفيّة لذوي الاحتياجات الخاصّة في ملعب سولجر فيلد في شيكاغو في عام  1968. وتنافس في حينها أكثر من 1000 شخص من ذوي الاعاقات الذهنيّة من 26 ولاية أميركيةّ وكندا على الفوز بالمداليّات. في حفل الافتتاح قدّمت يونس كينيدي شريفر قَسَم الألعاب الأولمبيّة لذوي الاحتياجات الخاصّة، وما زال يُتلى إلى يومنا هذا:

"سألعب كي أفوز
لكن إن لم أتمكّن من الفوز
سأكون شجاعًا وأحاول"

حاليًّا، يتدرّب أكثر من 3 ملايين رياضيّ من 181 بلدًا والولايات الأميريكيّة الـ50 للألعاب الخاصّة، ويرأس المنظّمة نجل العائلة تيم شريفر.

الحفاظ على النشاط يوميًّا

لا تعلم سوزي دوينز بعد إن كانت ستتمكّن من المشاركة في الألعاب الأولمبيّة لذوي الاحتياجات الخاصة في كوريا الجنوبيّة في شهر كانون الثاني/ يناير، لكنّها تتمرّن كلّ يوم لفترة ساعة على الركض ورفع الأثقال وممارسة تمارين اللّياقة البدنيّة. كما تلعب الغولف لثلاث ساعات مرّتين في الأسبوع. وتقول سوزي: "أتمنّى لو يستطيع الجميع الشعور بالرضى والسعادة الذين أشعر بهما من خلال مشاركتي في هذا البرنامج الرائع. فمن المهمّ جدًّا للجميع أن يشعروا بالرضى عن أنفسهم، وقد أعطتنا الألعاب الأولمبيّة الخاصّة الفرصة لإعطاء أفضل ما لدينا".   

الغولف تحرّر سوزي

استغرقت سوزي بعض الوقت لتصبح ثقتها بنفسها كما هي عليه اليوم. فقبل مشاركتها في الألعاب الخاصّة عندما كانت في الثامنة من العمر، لم يكن هناك شيءٌ يحثّ  سوزي على التّكلّم مع الآخرين، وكانت تخشى أن تقول شيئًا خاطئًا. حاولت عائلتها اللجوء إلى أساليب مختلفة لكي تخرج من قوقعتها: تشجّعت ليندا بعد قراءة كتبٍ عن نموّ الأطفال وبدأت بلعب البيسبول مع سوزي منذ أن تعلّمت الأخيرة المشي. وسرعان ما اكتشفت ليندا رغبةً لدى سوزي بممارسة الألعاب الرياضيّة فأدخلتها إلى صفّ الباليه في عامها الثاني. كما حرصت ليندا وزوجها دان بأن تتلقّى الطفلة الخجولة معالجة نفسيّة مرّة في الأسبوع وعلمّاها كرة المضرب والسباحة. لكنّها بقيت صامتةً في أغلب الأوقات. كانت تتواصل مع أقربائها الصغار لكنّها لم تكن ترتاح في التكلّم مع أشخاص آخرين.   

تذكر ليندا أنّه "منذ نعومة أظافرها، لم يتمكّن المصوّرون من الحصول على ابتسامة واحدة من سوزي. كلّ ما كنّا نراه في الصّور هو ليندا وهي تنظر إلى الأرض. شعرت في حينها أنّ التعليم هو مفتاح كلّ شيء فقمنا بإرسالها إلى المدرسة. كانت رؤيتها لا تنخرط مع الآخرين في المدرسة طوال هذه السنين أمرًا مؤلمًا جدًّا".

استنتجت ليندا أنّ الحلّ بسيطٌ جدًّا: "كان علينا إعطاؤها شيئًا كي تستطيع التكلّم عمّا تحبّ". وجدت سوزي الحريّة من خلال لعبة الغولف. في ذلك الوقت، كانت العائلة تعيش في سانت تشارلز، إلينوي حيث تواصل الوالدان مع المسؤولين في الألعاب الأولمبيّة الخاصّة. وقام محترفٌ كان يعمل في برنامج الألعاب الخاصّة بإعطاء سوزي دروسًا في الغولف. لم تستغرق سوزي وقتًا طويلًا كي تتقن اللعبة.

العثور على الصوت واستخدامه في المكان المناسب

صُدم كلّ من دان وليندا دوينز في عام 2001 حين قالت لهما ابنتهما المنغلقة على نفسها أنّها تريد أن تتدرّب كي تصبح مبعوثة عالميّة لدى منظمة متلازمة داون. أجابتها ليندا أنّ الأمر يعود لها في إظهار استعدادها لأن تصبح ممثّلة رسمية عن المنظّمة. بعد بضعة أيّام، اتّخذت سوزي قرارها.

علّقت ليندا على الموضوع قائلةً أنّه "يصعب متابعة بعض الأمور حتّى النهاية، خاصّة عندما تكون بهذا القدر من الجديّة، لكن عندما تقرر سوزي فعل شيء ما، تفعله".

مع ذلك، انتابت والدة سوزي بعض المخاوف. في يوم تجربة الأداء، لم تكن سوزي على ما يرام فجلست واضعةً رأسها على الطاولة. لكن عندما جاء دورها لتلقي خطابها الأوّل، صعدت إلى المنصّة من تلقاء نفسها.

اندهشت ليندا كليًّا وقالت أنّ "الحضور انصدم. لم أكفّ عن البكاء طوال الخطابات الـ50 الأولى. غلّبتني العواطف حينها وأعلم أنّها شعرت بالمثل. أدركت حينها أنّها ستواصل الطريق وأنّها لن تتوقّف".

وشرحت سوزي كيف ملأتها الشجاعة لمواجهة جمهورٍ كبير بالقول: "كنت خائفةً بالتأكيد لأنني أتلعثم كثيرًا لكنّ في النهاية كان الأمر ممتعًا ومثيرًا". في أعلى الصفحة من كلّ خطاب تلقيه، تكتب سوزي جملةً صغيرةً لكي تتشجّع: ما الذي يفعله القائد؟ يساعدها ذلك في استجماع قواها لمواجهة الجمهور وحتّى إلقاء الدعابات.

تقول ليندا أنّ سوزي "تعشق التصفيق والترحيب الحماسيّ. تقف وتبتسم للجمهور ويتعيّن عليّ أن أؤشّر لها كي تنزل عن المنصّة".

لم تكفّ سوزي عن السعي وراء تحدّيات جديدةٍ وتتوّق لتجربة رياضة ركوب الأمواج. وباستثناء أسماك القرش والنحل، تقول سوزي أنّها لا تهاب شيئًا، بما في ذلك مسابقة الغطس القطبي في الأولمبياد الخاص في بحيرة ميشيغان التي ستعقد في الثاني من شهر شباط/ فبراير. فللمرّة الثانية عشر على التوالي، ستقفز سوزي في المياه الجليديّة، وذلك كعربون ردّ جميل للمنظّمة التي ساعدتها على تخطّي الكثير من المصاعب. في كلّ مرّة شاركت فيها استطاعت سوزي جمع مبلغ 2000 دولار أميركي.

ولا أعتقد أن الغطس في المياه الباردة سهلٌ عليها فقط لأنّها تحترف الرياضة. فتقول سوزي أنّها "تتألّم طوال الوقت. يقومون بكسر الجليد حتّى نتمكّن من القفز في المياه. إنّه أمرٌ فظيع!".

وأخبرتنا ليندا أنّها "في كلّ مرّة تقول أنّها لن تفعلها مجدّدًا، ثمّ تعاود الكرّة وتلقي خطابًا في الاحتفال بعد ذلك ثمّ تحظى بتصفيقٍ حارّ فتقرّر القفز مجدّدًا في العام المقبل. تقفزين في المياه دون أن تفكّري كثيرًا، أليس كذلك؟" تعود سوزي لتخجل وتهزّ برأسها لتقول نعم.