في عام 1948، ذكرت مقالة بعنوان "الباعة المتجوّلون السّود" في مجلّة إيبوني الشهيرة التي تُعنى بنمط حياة الأميركيين من أصول إفريقيّة أنّ شركة كوكاكولا بصدد توظيف أخصّائي تسويق أميركي من أصولٍ إفريقيّة. لم تذكر المقالة اسم الشخص المعنيّ لكنّ هذا الشخص هو على الأرجح موس كندريكس. كان كندريكس يبلغ 31 عامًا في ذلك الوقت وكان بائعًا متجوّلًا موهوبًا معروفًا جدًّا في أوساط العاصمة واشنطن ومدينة أتلانتا. اعتمد كندريكس على الإعلانات المبتكرة لدعم صحافة الأميركيين من أصول إفريقيّة والترويج لسندات الحرب والذكرى المئويّة لتأسيس دولة ليبيريا في غرب إفريقيا. علاوةً على ذلك، كان قد أمضى السنوات الثلاث الماضية بالبحث عن المدراء التنفيذيين في شركة كوكا كولا في مكاتب أتلانتا ونيويورك طالبًا منهم الاستعانة به ليكون بمثابة جسر بين الشركة والمستهلكين من أصول إفريقيّة.

بعد انتهاء الحرب العالميّة الثانية، تحسنّت أحوال ورواتب الأميركيين من أصول إفريقيّة وحلم الكثير منهم بحياة أفضل ومعاملةٍ أفضل لقاء مجهودهم وتضحياتهم في الحرب. بعبارةٍ أخرى، كان المستهلك الأميركي من أصول إفريقيّة يشكّل مصدر دخلٍ ضئيل لكن واعدٍ للغاية بالنسبة للشركات الأميركيّة. وسرعان ما فهم كندريكس هذا الموضوع.

في نهاية المطاف، أقنع كندريكس المدراء في شركة كوكاكولا ليعيّنوه المسؤول المركزيّ عن حملة الشركة الإعلانيّة التي تستهدف "سوق الملونين" في مرحلة ما بعد الحرب.

وكانت حملة كندريكس تعتمد على الإعلانات بشكلٍ رئيسيّ. فقبْل الحرب العالميّة الثانية، لم يكن التّجار وشركات الإعلان يعيرون أي أهميّة أو احترام للمستهلك الأميركي من أصول إفريقيّة، وكان وضع السوق السوداء يعكس ذلك الأمر. فحتى لو ظهر الأميركيّين من أصولٍ إفريقيّة في الإعلانات، كانت الشخصيّات التي تعطى لهذه الفئة في أغلب الأوقات مهينةً، فإمّا يلعبون دور المغنّي المتجوّل أو دور الخادم. وأصبحت الشخصيّات كـ"بلاك مامي" أو "العمّ طوم" أدوات تسويقيّة على شاكلة "العمّة جميمة" و"العمّ بن" و"العمّ راستوس" لتمثّل طبقة من المنتجين والخدم حصرًا... طبقة لا تشتري السلع الاستهلاكيّة.

حرمت هذه الممارسات الإعلانيّة الأميركيين من أصل إفريقيّ هويّة ثقافيّة استهلاكيّة، الأمر الذي لم يكن وقعه خفيفًا في إطار الحرب الباردة. ففي ذلك الحين، شدّدت وسائل الإعلام الأميركيّة إلى جانب رجال السياسة وكبار رجال الأعمال أنّ الاستهلاك واسع النطاق يشكّل أمرًا ضروريًّا لإنعاش الاقتصاد والقوّة العسكريّة والأمن في البلاد، ممّا ساهم على وضع الاستهلاك في صميم مفهوم الهويّة الأميركيّة بعد الحرب العالميّة الثانيّة، وذلك وفقًا للمؤرّخة ليزابيث كوهن.

قام موس كندريكس بإدارة حملة "سوق الملونين" الإعلانيّة لشركة كوكاكولا التي استهدفت الأميركيين من أصول إفريقيّة كطبقة استهلاكيّة جديدة في أميركا. بصفته خبير الأسواق الخاصّة في شركة كوكاكولا، كان كندريكس في موقع مثاليّ للمساعدة على تغيير صورة السّود في الإعلانات الأميركيّة. أوّلاً، لأنّ كلمته كان تُسمع لدى السيد ديلوني سليدج مدير الإعلانات في شركة كوكاكولا. في حينه، كان سليدج يعمل بإحدى أكبر الميزانيّات الإعلانيّة في العالم وليده تأثير كبير في عالم التسويق من خلال المواد البصريّة. بعمله مع سليدج وشركة دارسي التي كانت وكالة الإعلانات لدى كوكاكولا، استغلّ كندريكس علاقاته العامّة من عمله السابق وقام بجمع عدد من الفنّانين والموسيقيّين والشخصيّات الرياضيّة السّود ليظهروا في أوّل جولة من إعلانات "سوق الملونين" لشركة كوكاكولا.

وهكذا حدث، ففي تشرين الأوّل 1953، وجد قرّاء إيبوني خلال تصفّحهم للمجلّة إعلانًا على صفحةٍ كاملةٍ بأربعة ألوانٍ يظهر فيه لاعب كرة السلّة الشهير في فريق هارلم غلوبتروترز ريز "غوز" تاتوم. فبعد تأسيسها مباشرةً بعد انتهاء الحرب العالميّة الثانية، أصبحت إيبوني المجلّة الأكثر انتشارًا وقراءةً من قبل الأميركيّين من أصل إفريقي. وكان كندركس قد عرض فكرة العمل مع المجلّة على مدراء كوكا كولا لتشكّل الممرّ الأمثل للإعلانات الجديدة لكوكاكولا إلى المستهلكين السّود.

نجحت إعلانات التي استخدمت فيها كوكاكولا المشاهير السّود وحقّقت أهدافها المرجوّة المتمثّلة في الدّخول إلى سوق المستهلكين من أصلٍ إفريقيّ، لكنّ كندريكس اعتبر أنّ هذه الحملة لا تشكّل سوى خطوة أوليّة. في منتصف الخمسينات، قام مع ممثّل آخر للأسواق الخاصة في شركة كوكاكولا كان قد ساعده كندريكس للحصول على الوظيفة بالعمل على حملةٍ جديدةٍ هدفت إلى تصوير الأميركيين من أصلٍ إفريقي كأشخاص "عاديّين".

همّ كندريكس بالبحث عن هؤلاء الأشخاص "العاديّين" في كليّات كلارك أند مورهاوس في أتلانتا حيث اختار طلّاب سود عاديّين للظهور في أوّل إعلان لكوكا كولا يستهدف "سوق الملونين" ويظهر فيه أشخاص سود غير مشهورين. في عام 1955، بدء الشباب والشّابات السّود بالظهور في الإعلانات: بنات يتسوّقن ويعلّمن ويكتبن، بينما الشباب يلعبون الغولف أو يسترخون في "كرسيهم المفضّل" بعد العمل؛ صبيٌّ أسودٌ يرتدي الدنغري ويلعب لعبة قفزٍ أو يقود درّاجة؛ شابّات يتحدّثن بينهنّ، يلعبن كرة المضرب ويتحضّرن لحفلة التخرّج؛ وأصدقاء شباب يتمازحون ويتنزّهون ويدرسون.

انتشرت صور السّود في الإعلانات بشكلٍ كبيرٍ، فظهرت في وسائل الإعلام المطبوعة والمقروءة من السّود كمجلّة إيبوني وغيرها من الصحف والمجلّات الاقتصاديّة. بالإضافة إلى ذلك، نُشرت هذه الإعلانات بشكلٍ رئيسيّ في المتجار التي يملكها السّود كصورٍ لنقاط البيع كما تمّ نشرها كلافتاتٍ على مداخل أنفاق المترو وعلى لوحات الإعلانات.

ومن خلال إظهار السّود كمواطنين أميركيّين "عاديّين"، عكست إعلانات السّود "العاديّين" استراتيجيّة الشركة باستهداف "السوق العامّة". فأظهرت الإعلانات المستوحاة من كندركس على سبيل المثال عارضات أزياء سود هواة يرتدين الألبسة نفسها ويأخذن اللّقطات نفسها كالعارضات البيض المحترفات في المواد التسويقيّة لكوكاكولا.

وفي هذا المعنى، أطلق كندريكس وكوكا كولا معًا سياسة عدم تمييز عنصريّ في الوقت نفسه حين كانت الرابطة الوطنيّة لتقدّم الأشخاص الملوّنين (NAACP) تهاجم عقيدة "منفصلون لكن متساوون" (Separate-but-equal) في المحكمة العليا  في قضيّة براون التي نظرت في موضوع فصل البيض عن السود في مؤسّسات التعليم العامّ.

بعد صدور قرار المحكمة بدمج البيض والسّود في المؤسسات التعليميّة لقيت قضيّة براون وقعًا عنيفًا ومؤلمًا لدى الكثير من الأميركيين البيض الذين لم يكونوا مستعدّين لتقبّل هذا الواقع الجديد. في أعقاب هذا الأمر، باتت الإعلانات التي تظهر اختلاطًا في الأعراق لا تحظى بشعبيّة كبيرة. وفي السياق نفسه، لبّت الإعلانات التي يظهر فيها السود فقط رغبةً عند الأميركيّين من أصل إفريقيّ للاعتراف بهم كمستهلكين "عاديّين" إلى جانب المستهلكين البيض المعتادين أو حتّى بديلين عنهم.

وهنا تكمن الأهميّة الأكبر للصور الإعلانيّة لغير المشاهير التي تستهدف "سوق الملونين" والتي ساهم كنريكس بإنتاجها. فقد غيّرت صورة الأميركيّ من أصل إفريقيّ في فترة ما بعد الحرب العالميّة الثانية إلى مواطنٍ حقيقيّ مستهدف من الشركات ومستهلكٍ لمنتجات من فخر الصناعة الأميركيّة عرّفها كندريكس في إحدى تشبيهاته المعقّدة أنّها "أميركيّة كالتّعليم وحرّة كالمؤسسات التجاريّة".      

بإصرارٍ أثار إعجاب أقرانه، نجح موس كندريكس في الوصول إلى المكاتب الإداريّة ومجالس الإدارة التنفيذيّة في شركة كوكاكولا وصممّ حملةً إعلانيّةً دعمت مطالب السّود بالمساواة والمواطنة من خلال التأكيد على هويّتهم الأميركيّة كمستهلكين للسلع والبضائع الأميركيّة. ومن خلال إظهار السّود كمستهلكين وليس خدّام في إعلانات كوكاكولا، أسّست حملة "سوق الزنوج" الإعلانيّة لمفهومٍ يربط بين "البشرة السوداء" و"الهويّة الأميركيّة"، وذلك عن طريق تصوير أميركييّن في أصل إفريقيّ يرتدون ملابس أنيقة يشريون الكولا ويمارسون نشاطات الطبقة الوسطى، مّما "أشرَبَ" المجتمع هويّتم الجديدة من الزجاجة الخضراء الكلاسيكيّة.

تكتب برينا غرير عن تاريخ الأعراق والجندريّة والثقافة تلقّت شهادة الدكتوراه من جامعة ويسكونسن – ماديسون. بعد أن عملت في فريق أرسكين بيترز في جامعة نوتردام، تعمل حاليًّا كمساعدة أستاذ في قسم التاريخ في جامعة ويليسلي حيث تعطي صفوفًا عن التاريخ الأميركي في القرن العشرين وتاريخ الأميركيين من أصلٍ إفريقيّ والاستهلاك والثقافة البصريّة. وحين لا تعطي صفوفًا، تتفرّغ برينا للعمل على كتابها الجديد حول صورة السّود في السوق في فترة ما بعد الحرب العالميّة الثانية والنضال للحصول على الحقوق المدنيّة.